من الفكرة إلى التأثير - حوار مع مؤسس "مساهم"

الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير معلِّم الناس الخير سيدنا محمد - صلَّى الله عليه وسلم … أما بعد ،،
في عالم تتغير فيه بيئات العمل بوتيرة غير مسبوقة، تظهر أفكار جريئة تعيد تعريف العلاقة بين الموظف والمؤسسة.
من بين هذه الأفكار، جاءت "مساهم" لتقدّم منظورًا جديدًا لإدارة الأداء، لا بوصفها أداة رقابية جامدة، بل كرحلة مستمرة من التطوير والنمو.
في هذا الحوار، نلتقي مصطفى طوسون، رائد الأعمال وخبير الموارد البشرية الذي جمع بين الخبرة الميدانية والرؤية الإنسانية ليبني منصة تهدف إلى تبسيط مفاهيم التقييم والتحفيز، وإعادة صياغة تجربة الموظف داخل المؤسسة بشكل أكثر عدلاً وفاعلية.
ما القصة المختصرة وراء "مساهم" ؟ وما المشكلة الواقعية الأولى التي قررت حلّها داخل بيئات العمل ؟
على مدار أكثر من 21 سنة من الخبرة في مجال إدارة الأفراد، اكتشفت أن هناك العديد من الموظفين الموهوبين الذين يُظلمون بسبب أسلوب التقييم التقليدي للأداء.
وقد كنتُ واحدًا من هؤلاء في بداية حياتي المهنية، مما جعلني أؤمن بأن هناك حاجة حقيقية لتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى مفهوم تقييم الأداء.
من هنا وُلِد حلمي بأن أكون "مساهم" في هذا التغيير حرفياً ومن خلال منصة "مساهم".
فالمشكلة الأساسية التي تواجه أغلب الشركات اليوم هي أن نظم تقييم الأداء معقدة وصعبة التنفيذ، مما يجعلها تفقد قيمتها الحقيقية.
لهذا جاء دور "مساهم" لتقديم حل ذكي وسهل وسريع يساعد المؤسسات على إدارة عملية تقييم الأداء بفعالية، ويعيد الغرض الأساسي منها: التطوير والتعليم، لا الثواب والعقاب.
ما أكبر خطأ رأيته يُفشل أنظمة التقييم مبكرًا، وكيف تتفاداه الشركات الناشئة محدودة الموارد ؟
من أكبر الأخطاء التي تؤدي إلى فشل أنظمة تقييم الأداء هي أنها تُبنى على الشخص لا على الوظيفة.
فغالباً ما يتم تقييم الموظف بناءً على انطباعات أو سلوكيات عامة، بدلاً من قياس مدى إنجازه للمهام المرتبطة فعليًا بوظيفته وأهداف الشركة، إضافة إلى ذلك، تفتقر الكثير من الشركات خاصة الناشئة منها إلى وجود تحليل وظيفي حقيقي بالمعنى المهني، وهو الأساس لأي منظومة تقييم أداء عادلة وفعالة.
ولكي تتفادى الشركات الناشئة هذه الأخطاء، يجب أن تبدأ بخطوتين أساسيتين:
- إعداد تحليل وظيفي دقيق لكل وظيفة داخل الشركة.
- ربط أهداف كل وظيفة بالأهداف الاستراتيجية للشركة.
فالتحليل الوظيفي لا يقتصر فقط على وصف المهام، بل يشمل كل ما يتعلق بالوظيفة والشخص الذي يشغلها من الواجبات والمسؤوليات والسلوكيات المطلوبة، إلى المعارف والمهارات اللازمة لتحقيق النجاح في الدور.
ذكرتَ الـGamification كلغة تواصل مع جيل Z؛ ما الأمثلة العملية التي تقترح تطبيقها داخل رحلة التوظيف والتقييم؟

جيل Z يمتلك طاقة لا محدودة، وقدرة عالية على الإبداع، وطموح يدفعه دائمًا نحو التفوق، لكن أحيانًا، هذا التفوق والطموح قد يتحول إلى تحدٍ له نفسه، خصوصًا عند لحظة تقييم الأداء، فهو يرى أنه مثالي في تعامله مع المشكلات اليومية، وأن التقييم يجب أن يعكس هذا الكمال الذي يشعر به.
ولأن هذا الجيل تربى على التفاعل والمكافآت السريعة، كان من الضروري أن نعيد التفكير في الطريقة التي نقيمه بها.
وهنا يأتي دور الـGamification أو "اللعب في العمل"، بمعناه الإيجابي.
بدلًا من أن يكون التقييم لحظة قلق، جعلناه تجربة ممتعة ومليئة بالتحدي:
كل مهمة تُنجز، وكل هدف يُحقق، يتحول إلى نقاط تُجمع على مدار الشهر.
وعند الوصول إلى عدد معين من النقاط، يمكن للموظف استبدالها بمكافآت أو فرص تعلم جديدة.
بهذه الطريقة، أنشأنا نظامًا تنافسيًا ذكيًا بين الفرد ونفسه، يجعله يسعى للتطور والتعلم المستمر - ليس لأنه مجبر، بل لأنه مستمتع بالرحلة.
من واقع خبرتك: كيف تبدأ شركة صغيرة التحول الرقمي للـHR خلال 30–60 يومًا بخطوات عملية ؟
كل ما حولنا اليوم يتجه نحو التحول الرقمي الإدارة، المواعيد، التواصل، وحتى طريقة اتخاذ القرار.
فإن لم يشمل هذا التحول إدارة الموارد البشرية (HR)، فمن الصعب أن نتمكن من تحقيق النمو والتطور الحقيقي داخل المؤسسات.
التحول الرقمي في الـHR لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة لضمان الكفاءة، السرعة، والشفافية، ولكي ينجح هذا التحول، هناك ثلاث خطوات أساسية لا بد منها:
- المعرفة الصحيحة بأهمية التحول الرقمي ودوره في تحسين تجربة الموظف والإنتاجية.
- فتح قنوات تواصل فعالة بين المديرين والموظفين لضمان وضوح الرؤية وتقبل التغيير.
- الدعم الكامل من الإدارة العليا، لأنه بدون هذا الدعم لن ينجح أي تحول مهما كانت الأدوات أو الأنظمة.
التحول الرقمي في الـHR هو ليس مجرد نظام جديد، بل نقلة فكرية وثقافية نحو مستقبل أكثر ذكاءً ومرونة.
كيف تُقنع المديرين والموظفين معًا بأن التقييم وسيلة نمو لا أداة رقابة ؟ ما رسالتك لكل طرف ؟
حينما أبدأ أي ورشة عمل للحديث عن أن نظام تقييم الأداء ليس أداة رقابية، بل وسيلة للتطور، أحب دائمًا أن أبدأ بهذا المثال التوضيحي:
تخيل أنك طلبت من أحد الأشخاص أن يسافر من مدينة نصر إلى الإسكندرية خلال ثلاث ساعات، ثم تركته دون أي تواصل أو متابعة، بعد مرور الوقت، من المرجح أنه لن يصل في الموعد المحدد ليس لأنه فشل، بل لأنك لم تقدّم له التوجيه اللازم للطريق الأنسب والطريقة الأفضل للوصول.
لكن، تخيّل لو أنك كنت تتواصل معه كل ساعة: تسأله أين وصل، وتتحقق من المسار، وتقدم له التوجيهات إذا ابتعد عن الطريق الصحيح، في هذه الحالة، سيصل إلى وجهته في الوقت المطلوب وستحقق أنت وهو أقصى استفادة ممكنة.
وهكذا تمامًا هو تقييم الأداء: ليس رقابة، وليس حكمًا، بل رحلة تعلم وتطوير تحتاج إلى التواصل المستمر بين المدير والموظف.
رسالتي إلى المدير: أنت قدوة، ودورك أن تُعلّم وتوجّه. "خيركم من تعلّم العلم وعلّمه."
رسالتي إلى الموظف: استمع، أنصت، واسعَ للتطور فالتقييم ليس نهاية، بل بداية جديدة نحو الأفضل.
كيف ترى مبادرة الرعاية بين "مساهم" و"مرتكز" ؟ وما الذي دفعك لتقديم هذا النوع من الدعم ؟

من اللحظة التي علمت فيها بوجود منصة "مرتكز"، شعرت أنني أمام مشروع مختلف مشروع يحمل رؤية حقيقية وسيكون باذن الله جزءًا من قصص النجاح القادمة.
ومن هنا، كان قراري أن أكون جزءًا من هذا الإنجاز، لأني أؤمن أن النجاح لا يُبنى فرديًا، بل جماعيًا، وأن التعاون هو أساس أي إنجاز عظيم.
وانطلاقًا من مبدأ "ساعد تتساعد"، واستلهامًا من قوله تعالى: "سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ".
آمنت أن دعمنا لبعض هو الطريق الحقيقي نحو بناء مستقبل أفضل، ولذا اخترت أن أكون مساهمًا بالفعل والروح في هذا التغيير.
ما الإشارات الحمراء في الـ CV والمقابلات التي تكشف "عدم الملاءمة" مبكرًا، وكيف تنصح المرشحين بتجاوزها ؟
في السيرة الذاتية:
استخدام الألوان وتضخيم المهام الذي يقوم به المرشح بما لا يتناسب مع المسمى الوظيفي المكتوب ، الفجوات الزمنية بين كل وظيفة والأخرى وبين تخرجه وبداية عمله، العناوين البريدية الغير احترافية واللينكات الغير مفعله وارقام التليفونات التي لا نتلقى رد عليها.
في المقابلات:
عدم التحضير من خلال المعرفة المسبقة عن الشركة التي يقوم بالتقديم عليها ، التأخر أو عدم حضور المقابلة من غير مبرر أو عذر ، عدم الثقة بالنفس.
لو طُلب منك تصميم "أول أسبوع" للموظف الجديد لضمان اندماج وثقة سريعة، ماذا ستضع في الأجندة ؟
اليوم الاول الترحيب به وإعطاء نبذة عن الشركة وقصتها ومهمتها ورؤيتها والقيم التي تعمل من خلالها.
اليوم الثاني عقد اجتماعات مع الفريق ومديره المباشر وتسليمه نسخة من التحليل الوظيفي الخاص به.
اليوم الثالث تدريبه على ثقافة الشركة والسياسات الخاصة بها.
اليوم الرابع تسليمه الأدوات التي سيعمل بها وإنشاء الحسابات الخاصة بها وتدريبه عليها.
اليوم الخامس عقد اجتماع مع مديره المباشر ومعه لكي نقيم تجربته ومدى فهمه لمهام عمله.
كلمة أخيرة لمؤسّس تقني يبني منتجًا للموارد البشرية: أين يبدأ، وماذا يتجنّب، وما شعار العمل الذي تلخّص به الرحلة ؟
ابدأ من الإنسان قبل الكود.
افهم كيف يفكّر الموظف، وماذا يشعر المدير، ومتى تفشل المنظومة في خلق العدالة أو التحفيز.
لأن التكنولوجيا وحدها لا تغيّر الواقع ما يغيّره هو الفهم الحقيقي للبشر الذين تُستخدم التكنولوجيا لخدمتهم.
وال HR ليست "نظامًا"، بل تجربة إنسانية رقمية تحتاج إلى البساطة، الشفافية، والرحمة في التصميم.
أما شعار الرحلة، فاختصره: "ابدأ بالإنسان... وارتقِ بالتقنية."
خاتمة
في نهاية هذا الحوار، تتضح لنا فلسفة مصطفى طوسون في بناء بيئة عمل أكثر وعيًا وإنسانية.
فهو لا يرى الموارد البشرية كقسم إداري، بل كنظام ينبض بالحياة يقيس القيمة الحقيقية للأفراد ويمكّنهم من التطور.
مشروع "مساهم" ليس مجرد منصة لتقييم الأداء، بل رؤية تسعى لتغيير ثقافة العمل في منطقتنا، لتجعل من كل تقييم خطوة نحو تحسين الذات والمؤسسة معًا.
إنها دعوة لأن تتحول الإدارة من سلطة إلى شراكة، ومن رقابة إلى رحلة مستمرة من النمو.
زائر مدونتي الكريم، وفقني الله وإياك إلى ما يحبه ويرضاه ،،