حوار ملهم مع م. وليد صادق حول بناء ToolSeekr ودعم المجتمعات التقنية

الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير معلِّم الناس الخير سيدنا محمد - صلَّى الله عليه وسلم … أما بعد ،،
في هذا الحوار الحصري، نستضيف المهندس وليد صادق، رائد الأعمال الذي بدأ مسيرته من الدراسة والعمل في شركات عالمية كبرى مثل Dell EMC، قبل أن ينطلق في عالم ريادة الأعمال ويؤسس مشاريع بارزة مثل PanX Project وأخيرًا ToolSeekr، المنصة الواعدة والمتميزة لاكتشاف الأدوات التقنية.
بين الدروس المستفادة والتحديات، وبين الحلم ببناء منصات عربية منافسة عالميًا، يشاركنا مهندس / وليد تجربته ورؤيته المستقبلية، ويقدّم نصائح ملهمة للمستقلين وصنّاع المنتجات الشباب.
بداية، كيف كانت رحلتك من العمل في شركات عالمية مثل Dell EMC وصولًا إلى تأسيس مشاريعك الخاصة مثل PanX Project وToolSeekr؟
في الحقيقة، أهم درس تعلمته من Dell EMC لم يكن تقنيًا بقدر ما كان درسًا في ريادة الأعمال: إذا أردت أن تُنجز شيئًا بشكل صحيح، افعله بنفسك.
كان قسمنا يعاني من عملية قديمة ومعقدة تستهلك 50% من وقت العمل.
الجميع كان يعرف أنها تحتاج أتمتة، لكن الإدارة كانت تقول إن ذلك "مستحيل".
اقترحت حلًا تقنيًا لا يحتاج حتى ميزانية، لكن استغرق الأمر 6 أشهر فقط للحصول على موافقة مبدئية!
البيروقراطية والفرق الكبيرة كانت تقتل أي فرصة للابتكار السريع.
وعندما وافقوا أخيرًا، اشترطوا أن أبني نموذجًا أوليًا أولاً، ووعدوني بمطورَيْن لإكمال المشروع.
بنيت النموذج، لكنهم تراجعوا وطلبوا مني إنجاز كل شيء بمفردي.
المشكلة؟ لم أكن أعرف البرمجة وقتها، وكان هذا في 2013-2014، عندما لم تكن هناك موارد مجانية مثل اليوم.
اضطررت للتعلم من فيديوهات YouTube المتفرقة، واستغرق الأمر سنة كاملة، لكنني نجحت في أتمتة العملية، مما وفّر 50% من عبء العمل وملايين الدولارات سنويًا للشركة.
هذه التجربة أعطتني شيئين: الثقة في قدرتي على التعلم والبناء، والإدراك أن الشركات الكبرى ليست دائمًا المكان الأفضل للابتكار.
فقررت تأسيس PanX Project، وبدأت ببناء مواقع للعملاء، حتى وصلت اليوم لإطلاق ToolSeekr.

ما القصة أو الموقف الذي كان الشرارة الأولى لفكرة ToolSeekr؟
الفكرة ليست جديدة تمامًا - Product Hunt موجود منذ 2015 وكنت أتابعه يوميًا لاكتشاف أدوات مفيدة من صناع مستقلين.
لكن بعد حصولهم على تمويل ضخم، لاحظت تحولًا واضحًا: ابتعدوا عن الأدوات البسيطة التي يبنيها indie makers لصالح منتجات شركات كبرى.
في نفس الوقت، كانت تأتيني طلبات متكررة من شركات مصرية وخليجية تبحث عن أدوات SaaS تدعم العربية أو مبنية بالعربية.
وهنا اكتشفت فجوة حقيقية: لا يوجد دليل (directory) محدّث للأدوات التقنية العربية، وإن وجدت شيئًا، فهو قديم بعشر سنوات على الأقل!
المشكلة أعمق مما تتخيل: عندما يطلق أحدهم SaaS عربيًا، لا يوجد مكان يعرض فيه منتجه، وعليك جمع ميزانية ضخمة للإعلانات لتظهر على Google فقط.
وحتى معظم نماذج الذكاء الاصطناعي لا تعرف أكثر من 100 حل SaaS عربي، وكثير منها لا يعمل أصلاً.
عندما يطلب مني عملائي حلول SaaS عربية، أضطر أحيانًا لتجاوز 10 صفحات على Google لإيجاد شيء مفيد!
صناع المنتجات المستقلون العرب يتنافسون مع شركات أجنبية ممولة بملايين الدولارات، بدون أدنى منصة تمنحهم ظهورًا عادلاً.
من هنا جاءت فكرة ToolSeekr.
كيف ترى العلاقة بين ToolSeekr ومرتكز كمنصتين تخدمان نفس الفئة من صناع المنتجات التقنية؟
أرى العلاقة تكاملية وليست تنافسية، السوق العربي واسع جدًا، والمنصات الموجودة حاليًا - وعددها لا يتجاوز 4 أو 5 - لا تكفي أبدًا لتغطية حجم الفرص المتاحة.
بدلاً من التنافس، أفضّل التفكير في التكامل والتعاون.
على سبيل المثال، يمكننا بناء نظام integration يسمح لصناع المنتجات برفع منتجهم مرة واحدة ليظهر تلقائيًا على المنصتين.
هذا يوفر الوقت والجهد على المطورين، ويزيد من انتشار منتجاتهم.
الهدف النهائي واحد: دعم صناع المنتجات العرب ومنحهم الظهور الذي يستحقونه.
وكلما زاد عدد المنصات التي تدعم هذا الهدف، كان ذلك أفضل للجميع.
المنافسة الحقيقية ليست بيننا كمنصات عربية، بل مع غياب البنية التحتية الداعمة وصعوبة المنافسة مع منصات عالمية ممولة بملايين الدولارات.
كيف نجحت في الوصول إلى أول 200+ مستخدم بدون إعلانات مدفوعة؟
بصراحة، لم تكن لدي استراتيجية معقدة، نشرت أقل من 10 منشورات على:
- موقع LinkedIn
- منصة قبيلة (المجتمع التقني العربي)
- موقع Reddit
- موقع Indie Hackers
كان هدفي الأساسي التحقق من صحة الفكرة (validation)، لا أكثر.
وبفضل الله، وجدت استجابة إيجابية كافية لأكمل.
الآن، بدأت التركيز أكثر على SEO لبناء نمو مستدام، لكن في البداية كان الأمر مجرد: انشر، استمع للتعليقات، وحسّن.
من واقع خبرتك في PanX Project وInVitro Capital، ما أبرز دروس النمو التي يمكن أن تفيد صناع المنتجات العرب؟
أهم درس تعلمته: السرعة في التكرار (fast iteration) أهم من المثاليه.
مثال حي من تجربتي: في بداية PanX، قضيت سنة ونصف أبني محرك بحث للوظائف.
كنت أريده مثاليًا، وظللت أضيف ميزات وأحسّن التصميم، وعندما أوشكت على الإطلاق، كان رأس المال قد نفد تقريبًا ولم يتبقَ ما يكفي للتسويق.
أطلقت المشروع ووصلت ل 15 ألف مستخدم في سنة ونصف، لكن بعد 3 سنوات من العمل بدون دخل حقيقي، اضطررت لإغلاق المشروع.
لو عدت بالزمن، كنت سأطلق نسخة بسيطة في 3 أشهر، وأتعلم من المستخدمين مباشرة، بدلاً من تخيّل ما يريدونه.
الدرس: ركّز على المستخدم النهائي، وضع هدفًا أو اثنين كحد أقصى، ولا تنشغل بالتفاصيل الجانبية.
ما الفارق بين بناء مشروع لعميل أو شركة، وبين بناء منتجك الخاص كمؤسس مستقل؟
الفارق جوهري، وأعتقد أن كل من جرّب الاثنين يشعر به بوضوح.
عند بناء مشروع لعميل:
- الميزانية متوفرة عادةً: يمكنك تعيين فريق متخصص - مطور، مصمم، مسوّق - كل شخص يركز على ما يجيده.
- النطاق محدد (Scope): تعرف بالضبط ما المطلوب، والجدول الزمني واضح.
- المخاطرة محدودة: تتقاضى أجرك بغض النظر عن نجاح المشروع في السوق.
عند بناء منتجك الخاص:
- الموارد محدودة جدًا: غالبًا تبدأ من الصفر، بدون ميزانية ضخمة. أنت المؤسس، المطور، المسوّق، والدعم الفني في آن واحد.
- عدم اليقين مستمر: لا تعرف إن كانت الفكرة ستنجح، أو كم من الوقت ستحتاج للوصول إلى عملاء حقيقيين.
- المخاطرة شخصية: تستثمر وقتك، مالك، وأحيانًا صحتك النفسية - بدون ضمان عائد.
باختصار: العمل مع العملاء أكثر أمانًا واستقرارًا، لكن بناء منتجك الخاص أكثر تحديًا وإشباعًا.
كيف ترى مستقبل المنصات العربية التقنية؟ وما الذي ينقصها لتنافس عالميًا؟
أنا متفائل بالمستقبل، لكن ينقصنا 3 أشياء أساسية:
- دعم المجتمع نحتاج ثقافة تعاون حقيقية بين صناع المنتجات العرب. Product Hunt وIndieHackers نجحوا لأن المجتمع احتضنهم، نحن ما زلنا نخاف من "المنافسة" بدلاً من دعم بعضنا.
- دعم حكومي ومؤسسي فعلي الكلام كثير عن "التحول الرقمي"، لكن على أرض الواقع: البيروقراطية معقدة، التمويل صعب، والحوافز محدودة، نحتاج تسهيلات حقيقية لا مجرد شعارات.
- تسويق قوي ومستدام معظم المنصات العربية تطلق بحماس ثم تختفي، المنصات العالمية تستثمر في SEO، بناء المجتمعات، والمحتوى طويل المدى، نحن نحتاج نفس الاستراتيجيات.
الخلاصة: عندنا سوق ضخم (+400 مليون متحدث بالعربية) ومواهب ممتازة. ينقصنا فقط البيئة الداعمة والاستمرارية.
وأخيرا، ما أبرز نصيحة تقدمها للـ Indie Hackers العرب الذين يريدون إطلاق منتجهم الأول؟
نصيحتان أساسيتان:
- ابدأ، واستمر (Start and be consistent) الفشل والتجربة هما أفضل معلّم. لا تنتظر اللحظة المثالية.
- لا تخف من مشاركة فكرتك كثيرون يخافون أن "تُسرق فكرتهم"، لكن الحقيقة: التنفيذ هو كل شيء.
الأفكار وحدها لا قيمة لها، الفريق والتنفيذ والمثابرة هم ما يصنع الفارق.
وإذا واجهتك مشكلة، اطلب المساعدة من المجتمع - ستجد الدعم.
وإن لم يكن لديك احد، تواصل معي أو مع رامي :)
خاتمة
الحوار مع مهندس / وليد صادق يفتح نافذة على رحلة مليئة بالدروس حول المثابرة، وإيجاد الفرص وسط التحديات، وكيفية بناء منتجات تلبي احتياجات حقيقية بعيدًا عن الصخب والمنافسة التقليدية.
في النهاية، تبقى رسالته واضحة: الطريق ليس سهلًا، لكنه يستحق العناء، والمستقبل ينتظر المزيد من المبادرات العربية التي تثبت أن بإمكاننا أن ننافس ونبتكر على المستوى العالمي.
زائر مدونتي الكريم، وفقني الله وإياك إلى ما يحبه ويرضاه ،،