الميقاتي بين التراث والتقنية - حوار مع م. وليد محمد - حول إدارة الوقت وتحليل البيانات وصناعة الأثر

الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير معلِّم الناس الخير سيدنا محمد - صلَّى الله عليه وسلم … أما بعد ،،
في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتنافس فيه الأفكار، تظل بعض المشاريع تحمل في جوهرها رسالة أعمق من مجرد خدمة أو منتج.
تطبيق "الميقاتي" واحد من تلك المشاريع التي تمزج بين عبق التراث وروح الابتكار، لتعيد تعريف علاقتنا بالوقت من منظور إيماني وتنظيمي جديد.
في هذا الحوار الحصري، نستضيف المهندس وليد محمد، صاحب مسيرة مهنية حافلة في مجالات الهندسة وتحليل البيانات، وعضو مؤثر في المجتمعات التقنية العربية، لنكتشف معه قصة "الميقاتي" ورؤيته في ربط التقنية بالقيم، إلى جانب نصائح عملية من خبراته الواسعة.
إذا أردنا أن نتعرف على مهندس / وليد محمد - في لمحة سريعة، كيف تلخص مسيرتك وخبراتك لقراء المدونة في بضع جمل تعكس شخصيتك ومجالك ؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته م. رامي ومتابعيك الكرام، أما أنا فأسير إلى الله تعالى منذ عام 1987.
تخرجت من قسم هندسة الحاسبات والتحكم الآلي بكلية الهندسة عام 2009 واستمريت بالعمل بالقطاع الصناعي في عديد المجالات منذ ذلك الوقت حتى نهاية فبراير 2025.
مجال عملي خلال هذه الفترة كان كمهندس فني في البداية ومع الوقت ترقيت بفضل الله للعمل إدارياً بشكل كبير وكان آخر منصب اشغله هو مدير العمليات بأحد أكبر المطاحن في مصر.
ومنذ فبراير 2025 تفرغت بالكامل للعمل الحر في مجال الاستشارات والتدريب في مجال تحليل البيانات والذي استخدمته بكثافة خلال مسيرتي المهنية.
كيف تصف تطبيق "الميقاتي" لشخص يسمع عنه لأول مرة، في فقرة واحدة تلخص فكرة التطبيق وروحه ؟

الميقاتي هو محاولة لربط المسلم بالعبادات المكلف بها من حيث التوقيت وكيفية الأداء، هو محاولة لإسترجاع صلتنا كمسلمين بجزء من ماضينا الذي ساد فيه أجدادنا العالم شرقاً وغرباً، هو محاولة ليكون جزءاً بسيطا "من نسيج مجتمعي يستديم قول لا إله إلا الله".
ما الخصائص المستقبلية التي تتمنى إضافتها لتجعل "الميقاتي" أكثر فائدة وانتشاراً ؟
الحقيقة لا أنظر للميقاتي كتطبيق المفترض تواجد بعض المميزات به ليكون منافسا لغيره، إطلاقاً … فالأمر أعمق من ذلك فأنا مثلاً أرجو توفيق الله سبحانه وتعالى في أن أعمل الأتي:
- يتم إضافة الوقت المتبقي على الصلاة القادمة والتذكير بها قبل مدة كافية لقيام المسلم للوضوء.
- ومع التذكير تظهر مادة مصورة (فيديو أو صور مع بعض التعليمات) توضح الطريقة الصحيحة للوضوء وكذلك بعض الأسئلة البسيطة التي تدفع المسلم للتفكير في كيفية وضوئه التي إعتاد عليها وهل هي صحيحة أم لا.
- وبعد أن يرفع الأذان من التطبيق وقت أن تحين الصلاة يظهر للمسلم مادة مصورة توضح كيفية الصلاة بشكل صحيح.
- وبعد إنتهاء الصلاة تظهر للمسلم الأذكار الخاصة بهذا الوقت مع فضل كل ذكر وأولوياته حتى إذا أراد أن يختصر لعجلة من أمره فليقم بترديد الأذكار الأكثر أهمية.
- وعند كل توقيت يختص بعبادة معينة يظهر فضل هذه العبادة مع مادة مصورة تشرحها بشكل مبسط مثل قيام الليل مثلاً وما إلى ذلك.
- وأن يكون الميقاتي هو وسيلة ضبط الوقت الخاص بنا كمسلمين وهنا لابد التطرق لنقطة هامة وهي أن الميقاتي يعتمد التوقيت الغروبي كنقطة بداية لليوم (أي أن غروب الشمس هو نقطة بداية اليوم الجديد) ولذلك فإن التوقيت يختلف من بلد لآخر لاختلاف موعد غروب الشمس وهذا يعيق فكرة إستخدام الميقاتي كوسيلة لضبط الوقت بين البلدان المختلفة.
ولكن، نحن سنقوم ان شاء الله باعتماد التوقيت الغروبي لمكة المكرمة كنقطة مرجعية ومن ثم تحويل أي توقيت غروبي لأي بلد قياساً بتوقيت مكة المكرمة ومن ثم نستطيع جعله وسيلة لضبط الوقت والتواصل بين المسلمين في كل بقاع الأرض.
مع العديد والعديد من الخصائص والأمور التي سنعلن عنها بشكل مرحلي ان شاء الله.
ما أهم درس تعلمته من خبرتك الطويلة في تحليل البيانات، يمكن أن يغير طريقة تفكير المبرمجين ورواد الأعمال ؟
"ما لا تستطيع قياسه لا تستطيع التحكم به، وما لا تستطيع التحكم به لا تستطيع تحسينه" هذا هو العنوان المناسب لإجابة هذا السؤال.
أولي خطوات تحليل البيانات هي جمع بيانات عن كل شئ ومن ثم قياسه ومقارنته بمعايير واضحة تخبرك هل أنت تسير على الطريق الصحيح أم لا.
وإذا أردنا أن نطبق ذلك على رواد الأعمال مثلاً فهم لا يستطيعون الحكم على أداء أعمالهم إلا بتحليل البيانات وإستخدام هذه التحليلات لإتخاذ قرارات مبنية على علم ومعرفة دقيقة بالوضع الراهن دون عاطفة أو محاباة.
فيما يخص المبرمجين، أعتقد ما من خدمة أو تطبيق حالياً لا يستخدم البيانات بشكل أو بأخر، ولذلك قد تكون نقطة تميز للمبرمج أن يضيف بعض المميزات للتطبيق سواء كان خاص بالهاتف أو غيره تكون مرتبطة بعرض البيانات يساعد المستخدم على اتخاذ قرارات سليمة ولنا في الساعات الإلكترونية الشخصية خير مثال.
ما الأداة أو التقنية في مجال تحليل البيانات الأكثر تأثيرا على جودة عملك ولماذا ؟

حقيقة الأمر أن عالم تحليل البيانات وذكاء الأعمال يتسع بشكل مستمر ليشمل العديد والعديد من الأدوات كل يوم فلقد بدأ الأمر بالاكسيل (Excel) كشرارة الإنطلاق الأولى لهذا العالم واستمر ظهور العديد من الأدوات الأخري التي قد أعجز عن حصرها، ولكن أري مهارتين هم أكثر أهمية من الأدوات:
المهارة الأولى هي التفكير المنظم (وهذه المهارة تتواجد بالفطرة لدى المهندسين لأنهم غالباً يتم زرع هذه المهارة ليس عن عمد خلال فترة تواجدهم بالكلية ولكن بسبب طريقة الدراسة وضرورة منطقية التفكير في حل المشكلات) وهذه المهارة إذا تواجدت لدى شخص ما فإنها تسهل كثيراً من نجاحه بمجال تحليل البيانات.
المهارة الثانية هي عرض البيانات بشكل قصصي يستطيع جذب انتباه المشاهد وتوصيل الرسالة المرجوة بأقصر طريق وفي أقل وقت وهو ما يعرف ب (Data Storytelling) والأمر أكبر من مجرد عرض البيانات بشكل رسومي مبهر، لا إطلاقاً، الأمر علم وفن مجتمعين.
والحقيقة أنا أعمل حالياً بفضل الله تعالى على إصدار كتاب باللغة العربية يختص بهذه المهارة تحديداً أحاول من خلاله الوصول إلي أخر ما توصل إليه الغربيون في هذا العلم ومحاولة نقله مع بعض الإضافات إلى مكتبتنا العربية.
ما أول ثلاث خطوات تنصح بها أي صاحب مشروع ناشئ ليبدأ التعامل مع بياناته بذكاء منذ اليوم الأول ؟
أولا - أن يكون من ضمن الفريق محلل بيانات منذ اليوم الأول وأن يتم إعطائه المساحة للعمل على كل الأنشطة اليومية للشركة وهو سيكون قادر على إيجاد نقاط التحسين الواجب العمل عليها بشكل يفوق توقعات اي شخص.
وأنا أقترح هذه النقطة تحديداً لعدم إهتمام الكثير من مطلقي الشركات الناشئة بتواجد هذا الشخص الا بعد ان يكون عمر الشركة قد تجاوز الثلاث سنوات - إذا استمرت - وهنا قد تكون التكلفة عالية جداً لإحضار شخص قادر على معالجة كل المشكلات التي تواجدت و تجذرت بالفعل.
ثانيا - أن يكون هناك حوكمة واضحة للبيانات بمعنى من له الحق في رؤية ماذا.
وأنا أطرح هذه النقطة لوجود تداخلات كثيرة جداً في نطاق البيانات ومن له الحق الإطلاع عليها ولذلك نرى العديد من تسريبات البيانات الذي قد يضر بالشركات جداً.
ثالثا - أن يتم الإستثمار منذ البداية في أداة واحدة تساعد محلل البيانات في جمع وتحليل البيانات بشكل فعال على أن تكون هذه الأداة قابلة للتوسع والتطور (Scalability) وعلى أن يتم استخدام هذه الأداة في جميع أقسام الشركة.
وهذه النقطة أطرحها لوجود عيب خطير جداً جداً وهو أن يقوم كل قسم بالشركة الجديدة بإستخدام أداة مختلفة تماماً في تجميع وتحليل البيانات وبالتالي تصبح عملية دمج هذه الأدوات سوياً لإنشاء إطار موحد لتحليل بيانات الشركة صعبة ومكلفة جداً جداً.
النقطة الأخيرة التي أطرحها بشكل عام هو الاستثمار المستمر في تعليم وتطوير فريق تحليل البيانات فيما يخص تطوير قدراته على استخدام وسائل الذكاء الإصطناعي الجديدة لزيادة إنتاجيته وقدرته.
بصفتك ضمن قائمة المئة عضو الأكثر تأثيرًا في "قبيلة"، كيف ترى دور المجتمعات التقنية في دعم المشاريع العربية ؟

لقد كان شرف كبير لشخصي المتواضع أن أوسم بهذا الوسم حقيقة، قبيلة منصة عزيزة جداً علي قلبي والقائمين عليها من النماذج المشرفة فعلاً في الوسط العربي والإسلامي.
أما المجتمعات التقنية (وانا اود ان اشارك قرائك المسمى الذي استخدمه وهو "النسيج المجتمعي الإلكتروني") فهي قادرة على ان يكون لها اليد الطولي في احداث كثير التغيير في عالمنا العربي والإسلامي وهنا أتحدث عن المجال العلمي وزيادة وعي العرب والمسلمين بجديد مجالات التكنولوجيا والتي بات لزاماً علينا التفوق فيها.
وأما الوسيلة لذلك فأعتقد انه ذلك قد يحدث إذا اجتمعت العديد من هذه المجتمعات التقنية تحت لواء واحد في كل مجال، بمعنى أنه قد صار لدينا اليوم "قبيلة" وهي المنصة التي تحمل لواء التواصل الإحترافي بين المحترفين في مجال التقنية.
لما لا نرى منصة واحدة - وواحدة فقط - تحمل لواء برمجة تطبيقات الهاتف مثلاً وينضم لها جميع العرب المهتمين بهذا المجال وتكون هذه المنصة هي مصب كل الجهود في هذا المجال واقترح مثلاً أن نستخدم "قبيلة" كالمادة اللاصقة والتي تجمع كل هذه المجتمعات المتخصصة (فهم أطلقوا خاصية القبائل والتي تسمح بانضمام أصحاب التخصصات المتشابهة لمجتمع واحد) وهكذا مجتمع واحد - وواحد فقط - يحمل لواء هندسة البيانات، والخ.
حتي يصبح لدينا نسيج مجتمعي الكتروني ينبض بالحياة والنظام والارتباط بفكرة مركزية واحدة وهي "لا إله إلا الله" وكل ما نقوم به يكون في خدمة هذه الفكرة المركزية.
ما اقتراحك العملي لزيادة المحتوى العربي عالي الجودة في مجالات التقنية وتحليل البيانات ؟
إستكمالاً لما أجبت به السؤال الماضي أقول وبالله التوفيق، أننا يجب أن نتجمع كمحترفي تحليل البيانات تحت لواء واحد يكون من ضمن أهدافه الجزئية (لأننا ندندن حول استدامة قول "لا إله إلا الله" كفكرة مركزية كما أسلفنا) أن نقوم - كما قام المسلمون الأوائل - بنقل التجربة والعلوم الغربية بشكل منهجي إلى مكتبتنا العربية.
مما سيسمح بزيادة مساحة القادرين على الولوج لهذه العلوم ممن تكون اللغة لهم عائق وبالتالي سيزيد ذلك من رقعة التخصص في عالمنا العربي والإسلامي مما سيزيد من المحتوى عالي الجودة بالتأكيد.
بخصوص منحة تحليل البيانات، ما الهدف الأكبر الذي تسعى لتحقيقه من خلالها ؟ وكيف تضمن أن المتدربين لا يكتسبون المعرفة النظرية فقط، بل يطبقونها عملياً في مشاريع حقيقية ؟
الحقيقة أن هذه المنحة المقدمة للطلبة والخريجين - وهي في جوهرها - خطوة عملية لما قلناه في سياق الإجابة عن السؤالين الماضيين.
نحن نود أن نزيد من رقعة المتعلمين لهذا المجال بشكل صحيح وقائم على أخر ما توصلت إليه العلوم الغربية في هذا المجال بعيداً عن الحيل التسويقية والوعود الزائفة.
ونحن نقوم بالعمل مع الافاضل المنضمين إلى المنحة على مشروعات متعددة سواء بشكل فردي أو في فرق مما يسمح لهم بتطبيق المعرفة النظرية بشكل عملي.
كيف توفق بين دراستك لل MBA، وتدريبك للآخرين، وإدارة مشاريعك الخاصة ؟
الحقيقة الأمر جد صعب، ولكن الله المستعان.
قرار دراستي ماجستير إدارة الأعمال كان من أهم القرارات التي وفقني الله سبحانه وتعالى في اتخاذها، فعلي الرغم من كلفتها العالية من ناحيتي الوقت والمال إلا أنها قد أوفيت بالوعود حتى الآن.
كان ينقصني - علي خبرتي التي تجاوزت الخمسة عشر عاماً بفضل الله - العديد من الأمور التي لم أتطرق إليها خلال هذه الفترة من العمل وجلها مرتبط بكيفية إدارة الأموال وكذلك إدارة الموارد البشرية بشكل منهجي.
ولذا فأنا أقوم بتوفيق الله سبحانه وتعالى بتنظيم الوقت قدر المستطاع ما بين الاستشارات والدورات التدريبية ودراسة الماجستير وتطوير الذات (فأنا وبفضل الله وحده لا أظن أنه قد مر يوم لم أتعلم به شئ جديد، أو أن أقرأ خلاله ولو صفحة وذلك منذ 15 عاماً).
وهنا أعتمد بشكل أساسي على منح كل قسم من هذه الأقسام حيزاً زمنياً من اليوم أقوم خلالها بإنجاز المهام الخاصة به.
ختاما، ما النصيحة التي تمنيت لو أنك سمعتها في بداياتك المهنية وكانت ستختصر عليك سنوات من التجربة ؟
ليس المهم أن تصل، ولكن المهم أن تموت وأنت على الطريق!
خاتمة
ما بين فكرة مستوحاة من التوقيت الغروبي، وخبرة تراكمت عبر سنوات في قيادة المشاريع وتحليل البيانات، يضع المهندس وليد محمد أمامنا نموذجًا حيًا لكيف يمكن للمبادئ والقيم أن تلهم حلولًا تقنية مبتكرة.
لم يكن "الميقاتي" مجرد تطبيق، بل دعوة للتأمل في قيمة كل لحظة، واستثمار الوقت فيما ينفع النفس والمجتمع.
لعل هذا الحوار يفتح أمام القارئ آفاقا جديدة لدمج الشغف بالمعرفة مع الرغبة في صناعة أثر، ويكون دافعًا لخطوة أولى نحو مشروع يحمل بصمتك أنت.
زائر مدونتي الكريم، وفقني الله وإياك إلى ما يحبه ويرضاه ،،