البرمجة بالتخمين .. هل انتهت البرمجة بالصورة التي نعرفها؟!

الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير معلِّم الناس الخير سيدنا محمد - صلَّى الله عليه وسلم … أما بعد ،،
لعقودٍ طويلة، اعتاد المبرمجون قضاء ساعات طويلة في كتابة الأكواد واختبارها بشكل متكرر، لكن المشهد اليوم بدأ يتغير جذريًا؛ فقد أصبح بإمكانك بناء البرامج من خلال وصف فكرتك بلغتك الطبيعية فقط، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي تنفيذ التفاصيل.
مرحبًا بك في عالم «البرمجة بالتخمين» أو ما يُعرف بـ(Vibe Coding)، الأسلوب الجديد الذي يثير حاليًا نقاشات واسعة حول مستقبل صناعة البرمجيات.
سبق أن تناولت جانبا من تجربتي مع أدوات الذكاء الاصطناعي في مقالي "تجربتي مع GitHub Copilot لأكثر من 7 شهور – الاشتراك المدفوع"، يمكنك الرجوع إليه لمزيد من الفائدة والربط العملي بما أطرحه هنا في هذا المقال.
ما هي البرمجة بالتخمين ؟
يشير المصطلح (Vibe Coding) إلى أسلوب حديث في تطوير البرمجيات يعتمد على الذكاء الاصطناعي، حيث يكتفي المبرمج بوصف المتطلبات بلغة طبيعية بسيطة، فيتولى الذكاء الاصطناعي مهمة توليد الكود المناسب.
وهكذا ينتقل دور المبرمج من كتابة الأكواد يدويًا إلى مراجعتها وتحسينها، مما يتيح لأي شخص - حتى لو لم يكن محترفًا - بناء البرامج بسهولة ودون الحاجة لخبرة تقنية عميقة.

تم تقديم هذا المصطلح في فبراير 2025 من قبل عالم الحاسوب أندريه كارباتي، المؤسس المشارك لـ OpenAI والمدير السابق لقسم الذكاء الاصطناعي في تسلا، إذ وصف كارباتي هذا النهج بأنه "ليس برمجة بالمعنى التقليدي - أنا فقط أرى الأشياء، أقول الأشياء، أشغّل الأشياء، وأقوم بالنسخ واللصق، وعادة ما يعمل الأمر".
ومع ذلك، أشار إلى أن لهذا الأسلوب حدوده، حيث أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد لا تكون دائمًا قادرة على إصلاح الأخطاء، مما يتطلب من المبرمج تجربة تغييرات مختلفة حتى يتم حل المشكلات.
الجدير بالذكر، أن كلمة "vibe" في اللغة الإنجليزية هي اختصار لكلمة "vibration"، وتعني "اهتزاز" أو "ذبذبة"، وتُستخدم في السياق العامي للإشارة إلى الجو أو الشعور الذي ينبعث من شخص أو مكان أو موقف معين.
فعليا أنت لا تكتب الكود من الصفر كما في الطرق التقليدية، بل تعبر عن ما تريد بشكل عام، والذكاء الاصطناعي يقترح الكود، وأنت توجه، تختبر، وتعدّل، كأنك "تتفاعل مع الأداة على موجة واحدة" أو "تنجرف مع الإحساس"، ولهذا أطلقوا عليه "vibe coding".
الفلسفة الكامنة وراء هذا الأسلوب
تقوم "البرمجة بالتخمين" على فلسفة رفع مستوى التجريد في البرمجة إلى أقصى حد، فبدلاً من انشغال المبرمج بكتابة تعليمات تفصيلية يفهمها الحاسوب، يتم عكس الأدوار بحيث يتولى الحاسوب (الذكاء الاصطناعي) تلك المهمة ويصبح دور الإنسان هو وصف الهدف والنتيجة المرجوة.
هذه الفلسفة تنطلق من الإيمان بأن المبرمج البشري ينبغي أن يركز على (ماذا) يريد أن يفعل البرنامج، وليس بالضرورة كيف يكتبه بالتفصيل.
من هذا المنطلق؛ لغة الحوار الطبيعية تحل محل لغة البرمجة، فعندما يقول المطور مثلًا "أريد تقليل الهامش في الشريط الجانبي للنصف" فإن هذه الجملة البسيطة تتحول عبر الأداة إلى تغييرات فعلية في كود الواجهة.
جوهر الفكرة هو التعامل مع عملية التطوير كأنها تعاون بين الإنسان والآلة: الإنسان يحدد الرؤية والخصائص المطلوبة، والآلة (نموذج الذكاء) تنفذ وتقدم المقترحات.

هذه الطريقة تقلب الممارسات التقليدية رأسًا على عقب، فبدلًا من أن يبدأ التطوير بالتخطيط الدقيق وهيكلة الكود ثم كتابته، تنطلق "البرمجة بالتخمين" من نموذج أولي سريع يتشكل بالتجربة والتعديل المستمر.
أشبه ما تكون العملية بـالنحت؛ حيث يبدأ المشروع من كتلة جاهزة يصوغها الذكاء الاصطناعي، ثم يقوم المبرمج بتوجيهه وتشكيله تدريجيًا نحو الشكل النهائي.
وقد شبّه البعض هذا الأسلوب بـ"المحادثة مع الحاسوب" أو حتى "البرمجة بالحديث"، خاصة مع دخول الأوامر الصوتية في العملية.
وعلى صعيد الفلسفة التقنية، يعكس هذا الأسلوب إيمانًا بتسارع قدرات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، أي الاستفادة القصوى من الزيادة الهائلة في كفاءة النماذج الذكية عامًا بعد عام.
فبدلًا من الالتزام بعادات البرمجة التقليدية، يتبنى هذا النهج كل ما هو جديد ومتاح من تقنيات حتى لو بدت غير مألوفة.
إنه أيضًا ينبني علي فلسفة شمولية: أي أن البرمجة لم تعد حكرًا على المبرمجين المحترفين، بل يمكن لأي صاحب فكرة أن يحوّل فكرته إلى تطبيق دون المرور بمنحنى تعلم حاد.
حيث أصبح بإمكان رواد الأعمال وصناع المحتوى وغيرهم تطوير أدواتهم الخاصة بأنفسهم بمجرد إتقان التواصل مع الذكاء الاصطناعي.
مع ذلك، فإن فلسفة هذا الأسلوب لا تشجّع على الفوضوية بدون منهجية، فعلى الرغم من أن البعض يظن أنها مجرد “برمجة عشوائية بالتجربة”, يؤكد الخبراء أنه لكي تحصل على نتائج جيدة من النماذج الذكية عليك اتباع منهجية في توجيهها.
على سبيل المثال، يقول أندرو نغ (خبير الذكاء الاصطناعي) أن طلب تنفيذ كل شيء دفعة واحدة من النموذج الكبير عادةً لا يعطي أفضل نتيجة، بل يجب تقسيم المهام وتوجيه الذكاء الاصطناعي خطوة بخطوة بوضوح.
إذ أن الفلسفة هنا هي التعاون المنظّم بين الإنسان والآلة: استغل إبداع الآلة وسرعتها، لكن قسّم المشكلة ووجّهها بذكاء.
الفرق بينه و بين البرمجة التقليدية
ظهر هذا الأسلوب كنهج مغاير تمامًا لأساليب كتابة الكود التقليدية، وفيما يلي مقارنة تبرز أهم الفروق بينهما:
طريقة إنتاج الكود
في البرمجة التقليدية، يقوم المطوّر بكتابة كل سطر كود بنفسه ملتزمًا بقواعد لغة البرمجة، بينما في "البرمجة بالتخمين" يقوم المطوّر بوصف المطلوب بلغته الطبيعية والذكاء الاصطناعي هو من يكتب الكود.
المبرمج التقليدي يعتمد على خبرته في الكتابة، أما "مبرمج التخمين" فيعتمد على قدرته على صياغة وصف دقيق والتعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي.
الدور البشري
المبرمج التقليدي هو صانع الكود ومهندسه، حيث يتحكم في كل تفصيلة ويضع الهيكلية المنطقية.
في المقابل، مبرمج "التخمين" هو مُنسِّق ومُرشِد؛ يوجه الذكاء الاصطناعي وينسّق بين الأجزاء التي ينتجها، ولا يعني ذلك غياب المهارات التقنية تمامًا، لكنه تحول في طبيعة الدور ليصبح أقرب لإدارة عملية التطوير من مستوى أعلى.
مدى فهم الكود
في الأساليب التقليدية، فهم المطور للكود الذي كتبه كامل وشامل (لأنه من كتبه)، أما في "البرمجة بالتخمين" فكثيرًا ما تكون هناك أجزاء في الكود البرمجي قد تولدت ولم يطّلع عليها المطور بشكل تفصيلي.
والنتيجة أنه يمكن للمطور التقليدي تتبع الأخطاء وحلها لأنه يعرف أين كل شيء، بينما قد يجد مطوّر "التخمين" صعوبة في فهم جزء تولده الذكاء الاصطناعي إذا حدثت فيه مشكلة لاحقًا.
التخطيط المسبق مقابل التجريب
عادةً ما يضع المبرمج التقليدي تصميمًا وهيكلًا للبرنامج قبل كتابة الكود، ويتبع معايير وأنماط تصميم (Design Patterns) لضمان جودة وهيكلية الصنع.
أما في أسلوب "البرمجة بالتخمين" تكون الطريقة أكثر تجريبية؛ إذ يتم التطوير بطريقة المحاولة والخطأ بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي.
على سبيل المثال، بدلاً من التفكير في أي ملف أو دالة يجب تعديلها، قد يطلب المطور مباشرةً من الأداة: "أضف زر مشاركة في هذه الصفحة" فتقوم الأداة بإجراء التعديلات في أماكن متعددة من المشروع دفعةً واحدة بناء علي هذا الطلب.
السرعة والإنتاجية
يتفوق أسلوب "البرمجة بالتخمين" في السرعة الأولية، حيث أن بناء نموذج أولي (Prototype) أو إضافة ميزة بسيطة قد يستغرق دقائق أو ساعات باستخدام الذكاء الاصطناعي، مقارنة بأيام في التطوير اليدوي.
لكن هذه السرعة يقابلها أحيانًا تكلفة مخفية في مرحلة التنقيح أو الصيانة، إذ قد يضطر المطور التقليدي لإعادة فهم أو إعادة كتابة أجزاء كبيرة من الكود المولّد إذا أراد دمجه في مشروع طويل الأمد.
الجودة والموثوقية
في البرمجة التقليدية، الجودة تعتمد على مهارة المطور لأن الكود يكون عادةً قابلًا للقراءة والصيانة إذا كتب بشكل جيد.
أما في "البرمجة بالتخمين" فإن جودة الكود تعتمد على النموذج الذكي المستخدم وكمية التدقيق الذي يقوم به المطوّر بعد التوليد.
قبول الكود من الذكاء الاصطناعي دون فحص قد يؤدي إلى شيفرة تعمل ظاهريًا لكنها تخفي أخطاء أو ثغرات أمنية، لذا نجد مطوري "البرمجة بالتخمين" يتم نصحهم دائما بمراجعة واختبار الأجزاء الحساسة وعدم الاعتماد الكلي على ثقة عمياء بالمخرجات.
بشكل مختصر، أسلوب "البرمجة بالتخمين" يكسر النمطية في عملية التطوير، فبدلاً من أن يكتب الإنسان وتفهم الآلة، أصبحت الآلة تكتب وعلى الإنسان أن يفهم ما تكتبه الآلة، هذا الإنقلاب في عملية التطوير التقليدية يحمل إيجابيات وسلبيات، كما سنرى في الجزء التالي من المقال.
التأثير علي مجتمع المطورين
لقد أحدث أسلوب "البرمجة بالتخمين" انقسامًا في الآراء داخل مجتمع المطورين، وترك أثرًا ملموسًا على كيفية تفكير الكثيرين بمستقبل البرمجة:
حماس وإقبال
فئة ليست قليلة من المطورين تبنّت هذا الأسلوب بحماسة، خاصّة أولئك العاملين على نماذج أولية أو مشاريع جانبية سريعة، فقد وجدوا فيه وسيلة لزيادة الإنتاجية بشكل كبير.
المبتدئون تمكنوا من إنجاز مشاريع بسيطة دون أن يتعلموا كل تفاصيل البرمجة التقليدية، مما خلق نوعًا من التمكين التقني لم يكن متاحًا سابقًا، حتى المطورين المحترفين استفادوا منه لتسريع أجزاء مملة من العمل؛ فبدلاً من قضاء ساعات في كتابة شفرة روتينية، يمكن ترك هذه المهمة للأداة والتركيز على منطق أعلى.
مخاوف وانتقادات
في المقابل، هناك تحفظات جدية أبداها العديد من المطورين والخبراء، إحدى أبرز النقاط هي فقدان فهم الكود، فقبول كود مولّد آليًا دون استيعابه خطر قد يؤدي إلى أخطاء مستترة أو ثغرات أمنية يصعب اكتشافها.
علق البعض أن هذا النهج "كابوس عند تصحيح الأخطاء بعد عام من الآن"، مشيرين إلى صعوبة صيانة مثل هذه المشاريع على المدى الطويل.
كما وصف آخرون الفكرة بأنها فلسفة برمجية رديئة أو فوضوية، معتبرين أن التغاضي عن مبادئ التصميم والنظافة في الكود سيجعل المشاريع الكبيرة معقدة وغير مستقرة.
قضية مراجعة الجودة
أثار أسلوب "البرمجة بالتخمين" نقاشًا حول معايير الجودة، فإذا كان الكثير من الكود يُنتج آليًا، فما هو دور مهندس البرمجيات في ضمان الجودة؟!
أشار بعض الخبراء إلى أنه في حالة الاستخدام المسؤول، يظل على المهندس دور المدقق والمختبر، إذ يقول الباحث سيمون ويليسون: "إذا قام النموذج بكتابة كل سطر من كودك لكنك راجعتَ وفهمتَه كله، فهذا ليس أسلوب البرمجة بالتخمين، فالبرمجة بالتخمين معناها أن تقبل الكود دون فهم كامل".
لذا فإن تأثير هذه الحركة دفع بالمطورين إلى إعادة تقييم عاداتهم؛ فالبعض زاد من الاختبارات الآلية والفحوصات لتعويض قلة الفهم التفصيلي، والبعض الآخر أصبح أكثر انتقائية فيما يقبله من مخرجات الذكاء الاصطناعي.
تغيير دور المطور
مع تبني المزيد من الفرق لهذه الأدوات، بدأ شكل العمل اليومي للمطور يتغير، فالمهام الروتينية تقل تدريجيًا، وحلّ محلها التواصل مع النموذج الذكي ومراجعته.
هذا أثر على المهارات المطلوبة أيضًا؛ فبرزت أهمية مهارات مثل كتابة الـPrompt الجيد (فن توجيه النموذج بوصف دقيق) والتفكير بشكل تجريبي سريع.
بعض الشركات التي اعتمدت هذا النهج في البرمجة ذكرت تحسنًا في رضا المطورين وتقليل الإرهاق من الأعمال المملة، لكن بالمقابل ظهرت حاجة لتدريبهم على التقنيات الجديدة وضبط استخدامها بحيث لا يضر بجودة المنتج النهائي.
انقسام في الاستخدام
حتى الآن، يبدو أن المشاريع الصغيرة والنماذج الأولية هي المستفيد الأكبر من هذا الأسلوب الجديد، أما في المشاريع الضخمة والإنتاجية، فالتبنّي لا يزال حذرًا.
العديد من المؤسسات تعتمد على الذكاء الاصطناعي كمساعد في أجزاء محدودة من المشروع وليس كبديل كامل عن المطورين، إذ يُنظر إلى أسلوب "البرمجة بالتخمين" أنه ممتاز للتجارب السريعة ومشاريع عطلة نهاية الأسبوع، لكنه أقل ملاءمة عندما يتعلق الأمر ببرمجيات تتطلب موثوقية عالية وصيانة دورية.
تأثير مجتمعي ومعنوي
أثار انتشار أسلوب "البرمجة بالتخمين" أيضًا نقاشًا أوسع حول مستقبل مهنة البرمجة؛ هل سيُستبدل المبرمج التقليدي بأدوات ذكاء اصطناعي؟ أم أن دوره سيتطور؟ البعض شعر بالقلق على مستقبلهم المهني، خاصة المبرمجين المبتدئين، إذا بات بإمكان أي شخص توليد برامج تعمل.
في حين يرى آخرون أن الطلب على المطورين سيبقى لكن شكل العمل سيتغير (أي يصبح المبرمج أشبه بمشرف على جيش من المساعدين الآليين).

هذا النقاش بحد ذاته غيّر ذهنيات كثير من المبرمجين الشباب ودفعهم لتعلم مهارات جديدة مثل علم البيانات والذكاء الاصطناعي ليبقوا مواكبين.
الخلاصة
يمكن القول أن أسلوب "البرمجة بالتخمين" ترك أثراً عميقًا سواء من حيث تبني أدوات جديدة أو إثارة نقاشات مهنية وأخلاقية حول البرمجة.
ربما ليس جميع المطورين مقتنعين أو مرتاحين لهذا التوجه، لكنه بلا شك أصبح جزءًا من الواقع الحالي للنقاش حول مستقبل تطوير البرمجيات.
ما بين متحمس يرى فيه فتحًا عظيمًا يؤدي إلى برمجة أكثر شمولًا وإبداعًا، ومنتقد يحذر من تداعياته السلبية على جودة الكود ومسؤولية المطور، يبقى أسلوب "البرمجة بالتخمين" ظاهرة بارزة تستحق المتابعة بينما تتطور نماذج الذكاء الاصطناعي وقدراتها يومًا بعد يوم.
زائر مدونتي الكريم،
أسعد بآرائك وتعليقاتك التي تسهم في تطوير المحتوى والارتقاء به.
وفقنى الله وإياك إلى ما يحبه ويرضاه ،،